صديق الحسيني القنوجي البخاري

125

فتح البيان في مقاصد القرآن

ويكون العطف على بابه كأنه قال آتينا موسى التوراة والآيات التي أرسلناه بها معجزة له لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني بالتوراة أي لكي تهتدوا للتدبر والتفكر فيه والعمل والاعتقاد بما يحويه . وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يعني الذين عبدوا العجل ، والقوم يطلق تارة على الرجال دون النساء ، ومنه قوله تعالى : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [ الحجرات : 11 ] ثم قال : وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [ الحجرات : 11 ] ومنه وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ [ الأعراف : 80 ] أراد الرجال وقد يطلق على الجميع كقوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [ نوح : 1 ] والمراد هنا بالقوم عبدة العجل ، وهذا شروع في بيان كيفية العفو ، والقوم ليس له واحد من لفظه ومفرده رجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ يعني إلها تعبدونه فكأنهم قالوا ما نصنع فقال : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ أي ارجعوا إلى خالقكم واعزموا وصمموا بالتوبة . والبارىء الخالق وقيل البارىء هو المبدع المحدث ، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال ، وفي ذكر البارىء هنا إشارة إلى عظيم جرمهم أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره وأصل التركيب لخلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التفصي كبرء المريض من مرضه ، والمديون من دينه ، أو الإنشاء كبرأ اللّه آدم من الطين . فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي اجعلوا القتل متعقبا للتوبة تماما لها ، قال القرطبي وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده قيل قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا وقيل وقف الذين عبدوا العجل ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلام فقتلوهم فتاب اللّه على الباقين منهم ، عن ابن عباس قال أمر موسى قومه عن أمر من ربه أن يقتلوا أنفسهم ، واحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة جعل يقتل بعضهما بعضا فانجلت الظلمة عنهم عن سبعين ألف قتيل ، كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة ، وعن علي قال قالوا لموسى ما توبتنا قال يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه لا يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا ، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي . ذلِكُمْ يعني هذا القتل وتحمل هذه الشدة . خَيْرٌ لَكُمْ لأن الموت لا بد منه عِنْدَ بارِئِكُمْ من حيث إنه طهرة من الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية . فَتابَ عَلَيْكُمْ أي فعلتم ما أمرتم به فتجاوز عنكم ، وهذه الفاء فاء التفسير وفاء